خواطرى (فصولي المناخية)
أسير بخطى متعرجة بين فصول السنة المختلفة، يتخلل روحي شعور بالخوف وعدم الاستقرار، خلال رحلتي الطويلة منذ بداية الجامعة وأنا أتقلب بين ثنايا الطقس المتغير محاولةً التأقلم معه كى لا أهلك.
أتذكر أول يومٍ في الجامعة، كان الجو حارا يتصبب العرق من كل المارة وأنا ألتفت يمينا ويسارا باحثةً عن ظل شجرةٍ أحتمي به، ينتابني شعور مريب! القلق، الخوف من المجهول، رغبة في الانطلاق وخوف من الخروج من منطقة الراحة الخاصة بي التي طالما احتوتني لثمانية عشر عاما، اليوم أختار الانطلاق والبحث عن الحرية وعن ذاتي المفقودة، لم أعد أبحث عن ظلٍ يحميني بل أبحث عن مكانٍ أنتمي إليه أزرع فيه شجرتي لكي تطرح ثمرا جميلا، ما زلت أشعر بالحرارة والشمس من شدتها تكاد تفك برأسي الصغير، أريد أي قطعة أرض هادئة أبني فيها مملكتي الخاصة، لقد أصابني التعب والإرهاق وقررت اللجوء لأرضٍ غريبة أرتاح فيها، ولكن بعد ترحالٍ يكاد لا ينتهي لم أجد أرضا تناسب زرعي!
اليوم تتساقط الأوراق! ما هذا! أهذا فصل الخريف! أسأرتاح قليلا من حرارة الصيف! الشمس تهدأ وتعقد هدنة معي، كنت أظن أني سأريح قدمي وقلبي الذي ينبض بسرعة كبيرة، ولكن فصل الخريف كان بداية الاختبار، تتساقط مني أوراق مزيفة ظننت أنها أنا! كثيرا ما كنت أشعر بالحيرة وسؤالٌ مزعجٌ يجول في خاطري يسألني من أنا؟ اليوم بدأت رحلتى الاستكشافية لما هو مزيف وما هو حقيقي! في هذا الخريف أعيد بناء نفسي من جديد! كنت أظن أن هذه المرحلة يسيرة لكني أشعر بتقلبات في كل جسدي لا أعرف ماذا يريد؟! بدأت أشعر بالغثيان وكأني على باخرة تتخبط بين أمواج البحر لا تهتدي في مسيرتها، تميل يسارا أحيانا وتميل يمينا أحيانا أخرى! أشعر بجسدي الهزيل وهو يفقد جزءا كبيرا من قوته! ظننت أني خارقة للطبيعة وأني قوية لا يهزني ريح وها أنا أرى صفات أخرى تتساقط مع أوراق الشجر، لم يكن فصلا مناخيا أبداً، لقد كان فصل الخريف الخاص بي، تتساقط أوراقي معلنة عن حرب جديدة! هيئة لا أعرفها! هل سأكون صلعاء مثل هذه الشجرة أمامي! أم سأعاني من التساقط في فترات قليلة وأعود لأزهر مرة أخري!!
أعيد قدماي على الطريق بعد محاولة لاستعادة قواى المزيفة، اليوم باردٌ، أشعر بهذا الجو القارص في روحي، يزعجني ويأكل روحي، أحتاج لبيتٍ أحتمي به من برد الشتاء اللعين! أوه ما هذا! أمطار وبرق ورعد! اللعنة سوف أبتل وأنا أنتفض من شدة البرد، لقد اعتدت على الاستمتاع بسقوط الأمطار واعتدت أن أشعر بالخير يأتي مع هذا القطرات المتساقطة على وجهي، لكن هذا الشتاء مختلفٌ تماما مع هذا الرعد المزعج والبرق المخيف، أشعر بالخوف والبرد يأكل قلبي ويلتهمه دون رحمة، أشعر بالأمطار تزيل زيف ملامحي، تحاول أن تظهر قبحي أو حُسني لا أعلم! أنا فقط أعلم يقينا أني خائفة، تقلب الجو يزعجني، كيف لي أن أواكب تقلباته السريعة! أشعر بالاضطراب الشديد، أشعر بالإعياء، ربما التقطت الانفلونزا، آه أنفي يسيل وجسدي يرتجف، حرارتي مرتفعة، لقد التقطته فعلا، أحتاج للرعاية وأحتاج لبيت أرتاح به قليلا وأستعيد به بعضا من قوتي كي أكمل الرحلة، أشعر بالحزن والوحدة والخوف والألم، أرى الظلام الدامس يطمس عيني وكأن نور الشمس اختفي للأبد! أين أنا؟ أين الله؟ أين الأمان؟ أين الحياة أنا لا أراها! أوه لقد تذكرت شيئا! معي سجادة الصلاة سوف أحتمي بها، سوف أحتمي بركعتين مع الله تحميني من برد الشتاء وجفاف الروح.
هدأت العاصفة، وهدأت أنا، تشرق الشمس مرة أخرى على روحي معلنةً عن قدوم فصل الربيع! أشم راحة الربيع فعلا، يا لجماله! هل أنا أزدهر مرة أخرى أم أن هذه هلاوس! هل أرى النور مرة أخرى! هل أرى الطريق! الأزهار تتفتح يا لجمالها، أشعر بنسيم الهواء يغسل روحي، يعيدني للحياة مرة أخرى، لكن بشعورٍ مختلف! أشعر أني شخص آخر! أني شجرة تثمر زهرا في ربيع عمرها! أيُعقل أني وجدت أرضي بعد ترحال؟! لا أعلم إن كانت أرضي أو لا لكني أشعر بذاتي اليوم، أشعر أني أنا لا أحد غيري يمكث بداخلى، لا بد وأن الأمطار أزالت حزني الدفين! أتذكر دموعي المختبئة تحت الأمطار وهي تنهمر معها، تشعر بالصداقة معها، ربما كان الشتاءُ خيرٌ ولم أكن أعلم، ربما كان الخريف والصيف كذلك، ربما البلاء خيرٌ والله أعلم، ولكن ما أعلمه الآن يقيناً أن الحياة تتقلب بنا كثيرا وليس علينا سوى السير والاستعانة بالله، لا أعلم في فصل الصيف القادم سأكون قد وجدت أرضي أم لا؟! ربما ليس لنا أرض هنا؟ ربما الجنة مأوانا وأرضنا! ربما الخير قادم، والله أعلى وأعلم ❤
اليوم أسير آخر خطواتي في رحلة الجامعة، وغدا رحلة جديدة بعون الله، وأتذكر دائما في كل خطوة أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير ❤
تعليقات
إرسال تعليق