خواطري (عزيزي ثيو)

عزيزي ثيو ..

أعلم كم سمعت من مآسي ڤان جوخ مع الحياة ، كيف لفظته من رحمتها وكشرت له عن أنيابها كوحش ضارٍ يفترس كل من يقف أمامه، كنت أظن أنها مجرد رسالة إليك ربما بها بعض الزيادات من خواطر رسام مرهف الحس لكني الآن أدرك كم كان صادقا حين عبر عن إحساسه بريشته وألوانه في لوحات مبدعة خط فيها كل آلامه وأحزانه. 

عزيزي ثيو ..

سأخط إليك كلماتي وأخرج ما بجعبتي لعلك تجد فيها أملا أو ربما بؤسا تتعلم منه شيئا ما، وربما تسمعني كما سمعت ڤان جوخ.

كما تعلم عن حال البلاد العربية، بعد عمر قصير يُرمي بشباب الأمة في الجيش حيث المعارك والأسلحة الفتاكة التي لم يعتد عليها أحد، كنا غرباء في صحراء تنشر قسوتها في قلوبنا، الرياح قاسية تجعلك منك شخصا هشا، ورئيس الكتيبة كان شخصا عديم القلب والإحساس أو هكذا كنت أظنه، كان يرمي بنا في تدريب بغير رحمة من الصباح الباكر حتي نهاية الليل لتصل إلى فراشك منهك الجسد والعقل والروح،  حتي لتصل معاناتك إلي أحلامٍ تؤرق نومك لتستيقظ بعينين حمراوتين. تخطيت مرحلتي الأولي بنجاح بعد عناء مرير وظننت مني أني قد انتهيت من الصعاب ومن نفسي فقد كادت بطاريتي تعلن بانزعاج أنها فارغة. كانت صحبتي مع الكتيبة تجعل اليوم المرير هينا لينا على قلبي حتي إذا اشتدت الآلام وجدت فيهم ما يخفف عني مصيبتي.

بعد وقت طويل سويا، أمر القائد بتفرقتنا بسرعة شديدة حتي أنني من فرط السرعة لم أشعر بذلك. رأيت نفسي بدون سلاح وسط ثعابين الصحراء، كانت متنوعة، ومن جهلي فأنا لا أعلم أنواعها وطريقة محاربتها. لم أكن أعلم أن الحياة ستلفظني أنا الأخرى كما فعلت بڤان جوخ وترميني في قسوتها وتريني من الأعداء ما لم أر من قبل. أخدت اتخبط بين الثعابين أحارب بشجاعة شديدة، كنت في البداية تائهة لا أعلم كيف التصرف ولكني بعد معاشرتهم تعلمت كيف أروض أعدائي الثعابين  بدون سلاح مادي فقط ما في قلبي يجعل منهم أضعف ما يكون. كانت معية الله وآياته تعينني في كل موقف مع ثعبان غريب رغم أني كنت أتخبط بينهم وأتحرك بسرعة شديدة حتي أقضي عليهم، ولن أقول أني قوية ولكني آمنت كثيرا بقوة القلب الذي يعيش فيه حب الإله فمهما كان ابتلاؤه، زاد صبره وتمسكه بحبل الله واستعانته به ، آمنت بأني قوية ما دام الله في قلبي ❤

قبل أن ألفظ أنفاسي من المعركة الأخيرة رمت بي الحياة إلي البحر حيث قسوة أمواجه اللعينة التي طالما سرقت قلبي وعيني وفكري كلما نظرت إليها من بعيد، لم أكن أعلم أنها بهذه القوة والثوران والغضب. كنت وحيدة بدون سلاح مادي ولا معنوي، حتي أنني لم أتعلم السباحة من قبل وشعرت أن قلبي ينقصه شئ ما، أخذت أتفكر فيه حتى تذكرت أني أخطأت في حق قلبي وربي وأخذتني الدنيا بتلاهيها وذنوبها وجعلت مني غريبا كئيبا، فقدت طوق نجاتي الوحيد الذي طالما أنقذني من الغرق في مصائب الحياة ومصاعبها التي أمر بها القائد. تذكرت كلمات رددها يونس في بطن الحوت وأخذ قلبي يرددها أيضا استغاثةً من الأمواج ويقول بقلب باكٍ: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، كنت أظن أن الله سيطردني من رحمته ليجعل مني مسخا وأكون عبرة لمن ابتعد عن الله، لم أكن أدرك معني لطفه وغفرانه وعفوه، لم أكن أدرك بشريتي واحتمالية وقوعي في الخطأ، لم أكن أدرك معني التوبة حتى وإن تكررت سقطاتي لأقوم مرة أخري بكل قوة أحارب نفسي الأمارة بالسوء وصديقها الذي رفض السجود لآدم عليه السلام.

 حمدا لله، لقد سمع الله لقلبي وعلّمني السباحة بكل مهارة شديدة كأني خُلقت سمكة أو حوتا أو قرشا يسبح منذ بداية عمره، فشكرته مرة أخرى وأكملت رحلتي.

ظننت أن الرحلة علي وشك الانتهاء وأني سأرجع إلى البر مرة أخري حيث يقطن أهلي وسأرتاح من الغربة التي كادت تمزق قلبي، وجدت أشباه بشر لم أدرك في البداية أنهم من نفس جنسي فقد ظهر منهم جزء صغير فقد كانوا يغرقون ويلفظون أنفاسهم الأخيرة. اشتد الموج وأخذ يغرقني أنا الأخري كأني سقطت في دوامة غريبة وفقدت بعض مهاراتي في السباحة فلم أستطع أن أحافظ علي نفسي كل الوقت فكنت أغرق حينا وأخرج للسطح حينا أخري. وهنا اشتد الصراع بداخلي حيث الفطرة التي تناديني لأهرب بحياتي وأنجو بعيدا عن هؤلاء الغرباء حتي لا يزيدوا من فرصة غرقي وموتي ، وبين فطرتي السليمة الأخرى التي تناديني لأنقذ ما يمكن إنقاذه. وبعد عناء شديد بدأت في إنقاذ الجماعة واحدا تلو الآخر حتي علمتهم السباحة كما علمني الله من قبل. لم أكن أعلم أن بداخل الإنسان جمال روحٍ كهذا الذي لا يؤثر الآخرين علي نفسه بل ينقذ كليهما في ذات الوقت، لم أكن أعلم أن الله قادرٌ علي إخراج الحي من الميت، فقد أخرج مني صفات لم أكن أعلمها بنفسي، فكيف أُنقذُ الغارقين في أحزانهم ومآسيهم وأنا أشدهم حاجةً للإنقاذ! كيف أتذكرهم حتي وأنا في مصيبتي ! كيف يستخدمني الله هكذا! سبحان القوي العزيز. 

أعلم أن ذلك ليس قوة مني بل من الخالق لكن هذا جعل قلبي ينبض سريعا ويشعرني بأني القائد المسئول عن هؤلاء الجماعة حتي أكمل معهم ما يمكن إكماله في الطريق، فإن تعلموا ما يجعلهم قادرين علي العيش بمفردهم تركتهم وبحثت عن آخرين. وبعد لحظات ليست بقصيرة مع أمواج البحر التي تعلمنا ترويضها لتكون في مصلحتنا خرجنا لمشهد رابع أكثر صعوبة.

خرجنا من البحر وأجسادنا وأرواحنا ترتعش على وشك الهلاك، الرياح تكاد تسقطنا ونحن ما زلنا نقاوم لكن بدون سلاح حتي هبَّ نسيم بارد يحوي ورقات بيضاء فارغة، وتكلمت حبيبات الهواء لتخبرنا أن ذلك هو حل اللغز ومفتاح الفرج من هذا الكرب. تفكَّر كل منا حتي صاح أحدهم قائلا لقد وجدتها ! أخد إصبعه ونقش علي ورقته كل ما تعلمه من علم في الدين والدنيا مخبرا إيانا أن ذلك الأثر ربما يكون أفضل ما يُترك، فإن هلك الآن فقد أرضى ضميره بترك ما أكرم الله عليه،  وإن أمد الله في عمره ونجحت فكرته فقد أُثاب. كتبنا مثله وتعجبنا من سحر العلم وإمكانية الكتابة به ملأنا أوراقنا وأخذتها الرياح فهدأت ودلتنا علي طريق العودة للكتيبة وأصبحت صديقة وفيّة نستعين بها في الصعاب بدون تردد.

في المشهد الخامس انتقلنا لرحلة طويلة في متاهات الصحراء كلما تحركنا قليلا وجدنا آخرين ضالين ساعدناهم وأكملوا معنا الطريق ورجعت لنا الرياح في كل مرة بأوراق جديد لنسطر ما في عقولنا وقلوبنا ليستفيد منه الآخرين حتي وصلنا بعد عناء إلى كتيبتنا المرموقة التي مقتناها في البداية وغضبنا من قائدنا على قسوته معنا في التدريبات حتي علمنا يقينا أن ذلك لم يكن إلا ليصقل عقولنا وأجسادنا وأرواحنا لنبدأ رحلة النضج ببضع خبرات تعيننا في الطريق الوعر.

جاءنا بيان جديد في اليوم التالي، فقد عينني القائد مكانه وأصبح هو أعلي رتبة مني في الجيش وعلمني ما تعلمه من فنون القيادة لأساعد من هم في حاجة لذلك،  وقد كان فخورا بي بعدما رأي مني بسالة وشجاعة في إنقاذ حياة الغرباء وتقديم يد العون لهم ، وأجمل ما علمني قائدي أن أتذكر نفسي والآخرين في آن واحد ، أن أمد يدي لي ولغيري ، ألا أترك نفسي للغرق أو للسقوط من سفح جبل وألا أفلت يد محتاج.

اليوم يقطن بداخلي قلب وعقل وجسد مختلف أقوي من ذي قبل، ناضجٌ إلى حد أكبر ، لكني وفي وسط انتصاراتي لم أنسَ هزائمي وخيباتي التي علمتني الكثير، ولم أسمح للغرور والكبر أن يسوِّد قلبي أو أن يعيق طريقي، وتستمر المشاهد وتتوالي المعارك في الحياة ونرجو من رب كريم لطيف عفو غفور أن يجعلنا ممن أتاه بقلب سليم .❤ 


رسالة فان جوخ الأخيرة لأخيه ثيو

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خواطري (براحٌ لا يسعنى)

خواطرى(ألم لا يُحتمل)

Dissociationخواطري (الانفصال اللعين)