خواطرى (وحوش الليل)
دقت الساعة الثانية عشر وها هو منتصف الليل يهل على الساكنة قلوبهم لتقوم بتنبيهها بالثورة مجددا، فتفتح أبوابها السوداء علي صاحبها. وراء هذا الباب المشئوم لدى كل منا تمكث الوحوش التي تريبنا وترعبنا، كل الأفكار المبعثرة والجروح الغائرة التي لم تلتئم بعد، كل الأشخاص الذين تركونا في منتصف وحشة الطريق، كل التفاصيل المؤلمة التي لا يعلمها أحد، كل الآلام تجتمع معا لتكون وحشا كاسرا لا يقدر عليه أحد، حتي صاحبه المسكين يبقي في زاوية مظلمة من نفسه ليلف ذراعيه حول ساقيه الهزيلتين اللتان لم تساعداه علي الهرب، ويبدأ في البكاء، ويزيد تألمه برؤية وحوشه تسيطر علي ما تبقى من جميل روحه لتأكلها أكلا وتمزقها.
تتكرر دقات الساعه كل يوم وتزداد الحروب الداخلية ضراوة، تقتل صاحبها ببطء شديد حتى تنهيه، تظل تلك الصراعات وحدها تسكن دواخلنا ووحدنا من نراها ونشعر بنا، وكلما حاولنا التعبير عنها اتهمونا بالجنون والكآبة، حتي يأتي اليوم الأكثر شؤما، هذا اليوم الذي يحاول فيه أحدهم التسلل وراء هذا الباب الأسود ليشفي مرض فضوله ويمتع نفسه باكتشاف سريرة أنفسنا المتألمة، متنكرا في زي المحب المخلص أو الصديق الوفيّ الذي لن يتركك مهما حدث، يأتي لك بالحلوي وما تشتهيه نفسك من جمال الكلمات والأفعال إلي أن يتمكن منك ويأخذ مفتاح الباب ليسترق النظر كلما سنحت له الفرصة، تأخذه نشوة المتعة في بداية الأمر فيرى في نفسه المنقذ لك من ظلامك وسوادك الخفي.
تجول الكرة الأرضية وتتوالى الأيام إلى أن تزول متعته ووعوده الكاذبة، وتتسلل الي روحه الكثير من المشاعر الغريبة، منها ما يكون مملا فيذهب سريعا ويخلف وراءه شخصا مسكينا قد ظن فيه خيرا بعدما أقنعه بأنه سيقف بجانبه ضد وحوشه وسيشاركه حروبه القاسية فتزيد الآلام، ويترك الباب مفتوحا على مصراعيه لتخرج الوحوش للخارج فترعب كل من تجد في طريقها.
ومنها ما يكون خبثا ولؤما فيعين الوحوش على المسكين المتألم فيزداد ألمه أضعافا مضاعفة، ومنها ما يكون خوفا بعدما نشرت الوحوش سُمَّا في الجو لتصيب العدوى الكائن المتسلل الجديد بسوادها فيزداد تكاثرها ويزيد الألم.
هناك الكثير من الأمثلة التي لا تحصي ولا تعد والتي تنتهي كلها بمزيد من الألم، ويبقي هذا المغفل آملا بعد كل هذا أن يأتي المنقذ الخيالي الذي لن يخيب فيه ظنه ولن يخذله، ويزيد عدد مرات فتح الباب المظلم ويزداد الألم كالعادة إلى أن تنتهي الحياة.
يؤسفني أن أخبركم بأنه مغفل علي الرغم من أن جانبا مني يخبرني بأنه مسكين لكنه ليس بمسكين، ما هو إلا مغفل سمح لمن لا يستحق بأن يروْا روحه المقدسة، نعم مقدسة بالرغم من كونها سوداء.
اكشفوا عن أرواحكم بنورها وظلامها لمن يقدرها ويفهمها ليزيد نوركم ويختفي ظلامكم تدريجيا، اكشفوا عن أنفسكم لله قبل البشر اشكوا له حزنكم وسوادكم الكامن بداخلكم وصراعاتكم، اطلبوا منه العون علي أنفسكم.
اللهم إني أشكو بثي وحزني إليك 🖤
تعليقات
إرسال تعليق