خواطري (من أنتِ؟)

الطريق هادئ بطريقة تخيف الجن قبل الانس، الضباب يملأ الجو واللون الرمادي يسيطر علي المكان وطفلتي تمشي بثبات كثبات المؤمن وسط الفتن! لا أعلم من أين اكتسبت تلك الشجاعة الممزوجة بالبراءة التي تغلف وجهها الخمري وملامحها الهادئة التي تنم عن حكمة ووعي ثلاثيني، ربما هي شبح وسط هذا الجو الكئيب أو هي من وحي خيالي المريض أو هي مجرد وسيلة هروب من الواقع بسبب ضعفي الذي يسيطر علي والخوف الذي يتملكني في هذا الطريق المخيف.

فستانها الوردي قد أسر قلبي وجمالها شد انتباهي وفوق كل هذا صفاتها جعلت الفضول يقتلني لأقترب منها واعرف قصتها الخفية وراء كل هذا المزيج الغامض في طفلة لا يتعدي عمرها العشر سنوات. اقتربت في خطوات هادئة نحوها وقلبي يهتز كالرعد الذي زلل بسماء هذا اليوم، لم أكد أبلغ المكان بقربها حتي رأيتها تبتسم لي ابتسامة صافية من كل الشوائب.. لم أستطع أن أتحدث معها أو اسألها أي سؤال يشفي فضولي أحسست أن لساني مقيد بجزع شجرة، لكنها تحدثت بكل طمأنينة، بهمهمة لم أسمعها في البداية حتي ركزت بكل حواسي معها لأسمعها تردد فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين!!!

أهي تراني أم الضباب يمنعها من رؤيتي ؟ أهي تحدثني بتلك الآية أم هي تحدث نفسها أم تحدث كلانا ؟ أهي تعقل لما حولها من طريق وعر وجو كئيب ومكان مخيف لا أحد يعلم ما به من مخاطر سوي الله؟ أهي مجنونة أم عاقلة اختل توازن عقلها بسبب هذا الزمان؟ أين أهل هذه الصغيرة وأين أنا؟ انفجر وابل من الأسئلة في عقلي، كل هذا الغموض يخرج من طفلة! وكيف يحدث هذا ؟!!

 مر وقت ليس بقصير دون أي جديد، عقلي مشغولٌ بأسئلته التي تكاد تصيبه بالشلل وجسدي ثابت بدون حراك والطفلة تردد كلماتها بهدوء رهيب، لقد ظننت لوهلة أني في عالم الأحلام وأني بعيدة كل البعد عن الواقع المرير،  لكن لا لا هذه هي الدنيا التي ولدت بها بكل ما فيها. جمعت كل شجاعتي التي اختزنتها كل السنين الماضية التي تكاد تتعدي الخمسين أو أكتر لا أتذكر، فقد مر وقتٌ طويلٌ علي ولادتي.

 نظرت لها وبدأت أتلعثم بكلمات غير مفهومة كأني عجوز مجنون خرج للتو من مركز رعاية المسنين وفي النهاية أستطاعت شفتاي ولساني بالخروج بجملة سليمة قائلة: من أنتِ؟ أخذت أكرر سؤالي إلى أن خرج بصوت مسموع لها، نظرتْ لي بدهشة لا أعلم سببها ربما لأني غريبة عنها في طريق غريب ظلت علي هذه الحالة دقائق أو ربما ساعة لا أعلم، كلانا ينظر للاخر بنظرة تملؤها الغرابة أخذت الطفلة تكرر سؤالي علي نفسها عدة مرات ولكنها لم تجب! اقتربت منها فإذا بها تقترب هي أيضا في هدوء شديد وحذر مريب.

لم تجب! لم تجب! لقد كدت أن أُجنّ وأفقد صوابي وإذا بها فجأة تأخذني بين أضلعها تُدفئ برد قلبي وتمطئن روحي المفزوعة بدون أي كلمات، لقد شعرت لأول مرة بالأمان!أخذت ابكي وصوتي يعلو ويعلو إلى أن شعرت أنه وصل للسماء السابعة وأنا أردد فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

 لقد وجدت ضالتي أخيرا. أهذه أنا ؟!!!

 أنا الطفلة الجميلة التي طالما خبأتها بداخلي. 

أنا الطفلة الشجاعة التي واجهت العالم القذر بدرع برائتها.

 أنا الطفلة الثابتة أمام الظروف و القوية بالله.

أنا الطفلة التي ملأ قلبها الإيمان أنا الطفلة التي ربتها أمها علي الخير.

أنا الطفلة لؤلؤة التي خرجت من صدفتها حديثا ولا زالت بجمالها وبريقها حتي بعدما شاب شعرها وتجعد جلدها وهزل جسدها لكن روحها ما زالت لؤلؤة.

 لقد كنت أنا ضالتي، فقدت نفسي وسط الحشود ووسط خراب الدنيا ووحشتها، وفقدت روحي معها لأعيش تائهة وسط همومي وضوضاء عقلي، وبعد هذا الحضن البرئ شعرت بأن الاحجية قد اكتملت وروحي قد رُدت إلىّ وقلبي مطمئن مرة أخرى، ووضعت رأسي علي وسادتي لتصعد روحي لخالقها وأنا أردد للمرة الأخيرة فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

كل منا يفقد احجيته وسط متاعب الدنيا ويخسر روحه وقلبه ومبادئه التي طالما ثبتها جيدا 💔 

عزيزي القارئ، لا تترك طفلك من يدك لكي لا يتوه في زحام الحياة، لا تتخلي عن سعادتك ونقائك، لا تتخلي عن نفسك، ولا تفرط في دينك وعن الآية التي طالما ثبتتك أمام المصاعب والفتن، ولا تترك عبادة إلهك الذي حفظك وأحاطك بواسع رحمته ولطفه 💙 أرجوك.. تمسك تمسك تمسك بطفلك جيدا إلي أن تلقي الله بقلب سليم 🙏




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خواطري (براحٌ لا يسعنى)

خواطرى(ألم لا يُحتمل)

Dissociationخواطري (الانفصال اللعين)